إذا لم تجد موضوعك بامكانك كتابته في تعليق وسيكون متاحا في الموقع في أقل من 12 ساعة مع إرسال نسخة لك على بريدك الالكتروني أو أرسلــه لنـا

الأدب والغرابة عند عبد الفتاح كيليطو القسم الاول





القسم الأول: شرح المفاهيم الأدبية والنقدية


أ‌- مفهوم النص الأدبي:
 ينطلق عبد الفتاح كيليطو من ثنائية الأدب والنص مؤكدا أننا نستعمل كلمة الأدب بطريقة فضفاضة واعتباطية دون مساءلة دلالاته اللغوية والاصطلاحية ومقاصده السياقية والمفهومية، وبالتالي، نفتقر إلى تصورات حقيقية حول الأدب وماهيته ووظيفته وما يميز النص الأدبي عن باقي النصوص الأخرى. أي إننا لانبحث عما يجعل النصوص الأدبية أدبية، بل نكتفي بربطها بالمجتمع أو ما تتركه من آثار نفسية على المتلقي. وهذا ينطبق أيضا على مصطلح النص الذي يثير كثيرا من الإشكال على مستوى التحديد والضبط. هذا ما دفع الناقد لتعريفه من خلال مفهوم المخالفة بمقابلته مع اللا نص. فالنص حسب كيليطو هو الذي يتميز بالنظام والانفتاح ويحمل مدلولا ثقافيا، ويكون قابلا للتدوين والتعليم والتفسير والتأويل، وقابلا للاستشهاد به حينما ينسب إلى مؤلف حجة معترف بقيمته ومكانته العلمية والثقافية، أي لابد أن يكون المؤلف شيخا مرموقا في الساحة الثقافية، وأن يكون النص كذلك غامض الدلالة أي يستند إلى الغرابة والانزياح والخرق بدلا من الألفة والكلام العادي السوقي، ولذلك فالنصوص حسب ميشيل فوكو نادرة وقليلة.

أما كلمة الأدب- حسب الكاتب- فنستعملها بمفهوم الأدب الغربي littérature لا بالمفهوم الكلاسيكي العربي للأدب. فالأدب الكبير والصغير لابن المقفع يصدران عن تصور أخلاقي تعليمي للأدب يتمثل في التحلي بالأخلاق الفاضلة و السلوكيات الحميدة، لذلك يكثر في هذين الكتابين الوعظ والنصح من خلال صيغتي الترغيب (الأمر) والترهيب (النهي). ويعني هذا ان الدارسين العرب المحدثين درسوا الأدب القديم والحديث بمقياس الأدب الغربي دون أن يبحثوا عن الخصائص البنيوية للكتابة الأدبية القديمة في شتى أنواعها وأجناسها الأدبية المتنوعة والمتعددة.

هذا، وإن كلمة الأدب littérature بالمفهوم الغربي نتاج الرومانسية التي كانت تدعو إلى مزج الأنواع والأجناس الأدبية في بوتقة واحدة. أي إذا كانت الكلاسيكية تفصل بين الأنواع من خلال تقييدها بمعايير ثابتة وصارمة، فإن جماعة يينا (نوفاليس وشلينغ والأخوان شليغل) في أواخر القرن الثامن عشر كانت تدعو إلى وحدة الأنواع داخل الخطاب الواحد. وهذا ما جعل تاريخ الأدب يضم بين دفتيه كثيرا من الخطابات والنصوص والأجناس. وبعد أن كانت الرواية ضمن هذا التصور جنسا أدبيا مهمشا ومرفوضا لافتقاره لقواعد قارة وثابتة تخصصه وتميزه عن باقي الأجناس الأخرى، أصبحت مع الرومانسية تحتل قمة الأنواع لكونها تجمع عدة خطابات حوارية وتناصية داخل بوليفونية منصهرة في نوع كبير وهو الرواية. وهذا ما حدث أيضا مع لشكسبير الذي أقصي مسرحه في الفترة الكلاسيكية ليعترف به إبان الفترة الرومانسية؛ لأن شكسبير كان يجمع في نصوصه المسرحية أساليب متنوعة هزلية وجدية سوقية ونبيلة.

وإذا كان هناك من يعرف الأدب على أنه إحالة على عالم الأشياء والشخصيات والأحداث الخيالية، وإذا كان رومان جاكبسون يعرف الأدب من خلال شعرية بنيوية تعتمد على الوظائف الست ولاسيما الوظيفة الشعرية، فإن كليطو يرى أن الأدب مازال لم يحدد بدقة مادمنا لم نضع نظرية عامة للخطابات.

ب‌- النوع الأدبي:
 في هذا المقال يلتجئ الكاتب إلى المقاربة الأجناسية لتحديد مفهوم النوع داخل النظرية الأدبية. فيعرفه بقوله: إن كل نوع يفتح أفق انتظار خاصا به .كما أن كل نوع يتكون من مجموعة من العناصر الثابتة قد تكون أساسية أو ثانوية. فالنوع لايتأثر بتغير المكونات الثانوية على عكس المقومات الأساسية فهي التي تغير النوع وتخرجه من صنف إلى آخر. ويخضع النوع للتصنيف والتقسيم حسب المكونات والسمات الثابتة والمتغيرة.
ويقترح الكاتب تصنيفا للأنواع يستند إلى تحليل علاقة المتكلم بالخطاب (إسناد الخطاب) على النحو التالي:
1- المتكلم يتحدث باسمه: الرسائل، الخطب، العديد من الأنواع الشعرية التقليدية...
2- المتكلم يروي لغيره: الحديث، كتب الأخبار...
3- المتكلم ينسب لنفسه خطابا لغيره.
4- المتكلم ينسب لغيره خطابا يكون هو منشئه. هنا حالتان: إما لا يفطن إلى النسبة المزيفة فيدخل الخطاب ضمن النمط الثاني، وإما يفطن إلى النسبة فيدخل الخطاب ضمن النمط الأول. وكمثال نذكر لامية العرب التي أنشأها خلف الأحمر ونسبها إلى الشنفرى.

ج- قواعد السرد : 
يعتبر فلاديمير بروب الناقد الروسي أول من وضع تصنيفا بنيويا شكلانيا للحكاية الخرافية ومهد للدراسات البنيوية الأخرى التي وسعت منهجيته التحليلية لتطبق على السرد بصفة عامة والرواية والقصة القصيرة بصفة خاصة مع رولان بارت وگريماس وتلامذتهما. أما النقد العربي فمازال يقيد النص بالمرآة الاجتماعية والإيديولوجية على حساب النص وثوابته البنيوية.
ينطلق كيليطو من نص مأخوذ من ألف ليلة وليلة قصد استخلاص القواعد السردية العامة لكل نص حكائي أو سردي. فأثبت بأن الحكاية السردية عبارة عن أحداث أو أفعال سردية تنتظم في متواليات سردية مترابطة زمنيا ومنطقيا. كما تخضع الأحداث لمنطق الاختيارات والإمكانيات المحتملة، أي إن السارد يمكن أن يجعل الحدث فعلا تحسينيا أو فعلا منحطا. كما أن للسرد قواعد أساسية يمكن حصرها في تعلق السابق باللاحق وارتباط تسلسل الأحداث بنوع الحكاية، وأفق الاحتمال والعرف. ولاستخلاص هذه القواعد لابد من القراءة العادية (من البداية إلى النهاية)، والقراءة العالمة (من النهاية إلى البداية).
ولكن هذه القواعد يمكن خرقها وتجاوزها بنصوص حداثية أخرى، ولكن لا يعني هذا انتفاء القواعد واندثارها، بل هذا الانزياح يحيل عليها مادام هذا الخروج تم بانتهاك معايير وقواعد تقعيدية موجودة فعلا في الظل أو السطح. فالرواية الجديدة التي ظهرت في فرنسا إبان الخمسينيات انطلقت من قراءات البنيويين للقصة المصورة والشعبية والقصص البوليسية فانزاحت عنها تجديدا وتجريبا كما انزاحت قواعد الأساطير الهندية الأمريكية على ثوابت المتن الأسطوري الحكائي الذي جمعه كلود ليڤي شتروس.
ويعني كل هذا أن السرد خاضع لمجموعة من القواعد التجنيسية التي تشكل ثبات النوع وكل خروج عن هذه القواعد لا ينفيها، بل يؤكد وجودها واستمراريتها الفنية والجمالية.

د- دراسة الأدب الكلاسيكي: 

 اعتمد الدرس النقدي العربي في مقاربته للثقافة العربية الكلاسيكية على التركيز على المبدعين الأفذاذ والقمم الشامخة في الأدب عن طريق ربط أدبه بحياته الشخصية ومؤلفاته ومجتمعه باستقراء الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وإصدار أحكام خارجية عامة مطلقة لاعلاقة لها ببنية النص. إنه درس نقدي يعتمد على نظرية المرآة التي انتشرت كثيرا في القرن التاسع عشر.
كما يطرح الكاتب مسألة مهمة وهي الطريقة التي نظر بها النقاد العرب إلى الشعر القديم حينما كانوا يبحثون في طياته عن الوحدة العضوية انطلاقا من المقاييس الغربية بينما للشعر العربي القديم خصوصياته التي تميزه عن باقي الأشعار العالمية الأخرى. ولابد كذلك أثناء التعامل مع المؤلفات الكلاسيكية من مراعاة غرابة النصوص والتسلح بتصورات نقدية وتأويلية تنسجم مع هذه النصوص التي تتطلب قارئا خاضعا لمنطق السؤال والجواب يستطيع أن يرصد الغرابة ويحاول تفكيكها وتركيبها من منطلقات تأخذ بعين الاعتبار عصر المؤلف وبيئته واللغة التي كتب بها نصه والسياق الذي ورد فيه.

هـــ- تاريخ الشاعر:
 يرفض الكاتب عند دراسة الشاعر ما يسمى بالدراسة التاريخية الكلاسيكية التي تهتم بحياة الشاعر بإسهاب وذكر أحوال نفسيته وآثاره الإنتاجية. ويقترح أن نجيب عن مجموعة من الأسئلة النصية الداخلية مثل: كيف يعلل الشاعر إنتاجه؟ إلى أي حد يوجد هذا التعليل في ثنايا الإنتاج نفسه؟ ما الداعي إلى هذا التعليل؟ كيف تندمج حياة الشاعر ضمن هذا التعليل؟
إن الشاعر في العصر الجاهلي كان شاعر القبيلة بامتياز وكل شعر ذاتي أو تأمل شخصي ينصهر في إطار القبيلة. وفي العصر الإسلامي صار الشاعر يتغنى بالانتماء العقائدي (الشيعية والخوارج..)، وفي العصر العباسي انحطت مرتبة الشاعر، وصار النقاد يفضلون الكاتب على الشاعر والنثر على الشعر، وأصبحت مهمة الشاعر هي الكدية والاستجداء والارتزاق حتى شبه الشاعر بصفات دنيئة كالصبي والمجنون... ولذلك لم يتم محاسبة الشاعر إذا خرج عن المروءة الأخلاقية أو الدين أو عن الأعراف والقواعد الاجتماعية ما دام يلتجئ إلى التعقيد والتعمية في النظم والكتابة.