إذا لم تجد موضوعك بامكانك كتابته في تعليق وسيكون متاحا في الموقع في أقل من 12 ساعة مع إرسال نسخة لك على بريدك الالكتروني أو أرسلــه لنـا

     التوحيد الأخناتوني


       الوقائع التاريخية التي عثر عليها خلصت إلى أن التوحيد الذي عرف هو التوحيد بإله واحد مرئي ومتجسد والذي تمثل فيما بعد بالإيمان بكوكب من الكواكب الثلاثة.
     لقد مثل القرن السادس عشر قبل الميلاد بداية عصر الفتوحات والتوسعات والذي يجب أن تتبعه مرحلة توحيد الآلهة في إله واحد كوني، إلا أن المشاكل التي عانى منها المعبد في تلك الفترة لم تساعد على ذلك لكن الإمبراطور المصري أمنحوتب الثالث بدأ يفرض سلطة الإله الواحد وأتمم مهمته الملك الرابع والذي يعرف بأخناتون والذي استطاع أن يخرج فكرته إلى حيز الوجود والذي يدل على أن الإمبراطورية كانت قوية على المستوى السياسي والجغرافي، فهذه الإمبراطورية كانت تحظى بمجال واسع جعلها بعيدة عن الأعداء خصوصا الكهنة والأمراء ولكي تحتفظ بهذا الوضع التجأت إلى الدين الذي سيدعم ملكها سياسيا.
     لقد عانت الإمبراطورية الفرعونية قبل ظهور فكرة التوحيد عند أمنحوتب الثالث وابنه أخناتون من كثرة الآلهة ومن مشاكل أخرى، وبذلك نرى أن العقبة الوحيدة التي كانت تصد فكرة التوحيد هي كثرة الآلهة، كما أن المزج بين الآلهة المتجسدة والآلهة كمفاهيم مجردة تطلب جرأة كبيرة تتحدى المعبد والكهنة الذين كانوا متشبثين بقيم يصعب الخروج عنها، كما أن العقيدة التوحيدية خرجت إلى الوجود بعد صراع طويل بين الإله رع والإله اوزيس و الذي فاز فيه إله الشمس أي رع والذي أصبح يسمى بالإله آمون غير أنه عبدت إلى جانبه آلهة أخرى.
     لقد نادى أخناتون في دعوته التوحيدية بعبادة الإله أتون وقدم لهذا الإله دعاءا مفاده أنه هو الذي يعود له الفضل في خلق الإنسان، ولهذا نجد أخناتون قد وجه دعوته إلى جميع المخلوقات سواء التي كانت تعبد الإله أمون أو أقوام الإمبراطورية المصرية بضرورة عبادة الإله أتون، وبذلك نرى أن التوحيد الأخناتوني بعيد كل البعد عن مقارنته بالتوحيد اليهودي الذي جاء فقط من أجل تأجيج شعور القبائل العبرية لأهداف سياسية، كما أن الإله آتون تميز في مرحلته الأولى من القدرة على معايشة الآلهة الأخرى وفي مرحلة الثانية سميت المدينة التي تأسس بها المعبد باسم الإله آتون وهذا الإجراء لم يلقى استحسانا من طرف الكهنة وعلى الخصوص كهنة معبد آمون ولم يقف أمنحوتب الرابع عند هذا الحد وإنما زاد في ضغطه عليهم عندما حول اسمه إلى أخناتون كدليل على خدمته لهذا الإله وفي المقابل قضى على كل ما يخص الإله السابق آمون ووجه ضربته أيضا إلى كهنة المعابد، وأمام هذا الوضع وقف هؤلاء في وجه أخناتون الذي تمكن من القضاء عليهم نهائيا.
     لقد ورث أخناتون عبادة الإله آتون من والده وأتم رسالته التي حاربها الكهنة بشتى الوسائل وأمام هذا الوضع قام أخناتون ببناء مدينة جديدة للإله آتون والتي شكلت انطلاقة الدعوة التوحيدية والتي دعمها ببناء عدة معابد في الإمبراطورية ورسمت لوحات فنية للإله آتون أظهرته في صورة متميزة متماشية مع الدعوة الجديدة ، ولقد استطاع أخناتون أن يحول هذا الإله من إله قومي محدود القدرة إلى إله قوي كلي القدرة وعالمي وبذلك أصبحت تعبده العديد من الشعوب وفي مرحلة أرقى أصبح إلها كونيا للدولة والإمبراطورية.
     لقد أسست العقيدة الأخناتونية على مبدأ نشر السلام بين جميع الأمم، عوض الشر الذي كان سائدا من قبل ومن هنا تشكل صراع بين أخناتون والإله أتون من جهة والكهنة والآلهة الكثيرة من جهة ثانية، ولقد عبد رعايا الإمبراطورية الإله آتون طوعا كما أن الأشعة الممثلة في صورة أذرع تنتهي بأيدي تمنح الحياة كانت هي رمز العبادة الآتونية التي آمن بها جميع أقوام الإمبراطورية إلا أن موت أخناتون أدى إلى اندثار عبادة الإله أتون وبدأ الكهنة في الانتقام والطعن في ديانة أمنحوتب الرابع عبر تحطيم المعابد والتي تخص الإله آتون لتعود الأمور كما كانت قبل عهد هذا الملك. وبذلك نرى أن موت صاحب الفكرة أدى إلى شتات الدعوة التوحيدية. وبما أن هذه الدعوة الأخناتونية شكلت منعطفا عظيما في تاريخ الفكر الإنساني فإن المؤرخين اختلفوا في إعطائها تسمية فهناك من قال أن لها بعد روحي وآخر رأى أنها  مدخل الديانات التوحيدية المادية الطبيعية لكن السؤال المطروح هو هل كانت الدعوة الأخناتونية كذلك أم أن لها بعدا آخر؟
     ما يمكن قوله هو أن التوحيد الأخناتوني قد جاء نتيجة للتطور الذي لحق بالفكر الإنساني الديني بحيث أنه كان هناك العديد من الآلهة لكن أخناتون شكل نقطة تحول ديني وفلسفي لفكرة الإله الواحد في العبادة ويبدو أن أخناتون قد أخد مكان الصدارة في تاريخ الفكر الإنساني.
اليهودية:
     أشارت الكاتبة أنها ستبتعد قدر الإمكان عن المعلومات التي أوردتها التوراة والتي مزجت بشكل تعسفي العديد من المصطلحات التاريخية كالعبيرو وبني إسرائيل والموسويون واليهود والتي لم يورد ذكرها في النصوص القديمة لأهداف بعيدة كل البعد عن المعرفة التاريخية للجذور الأولى لليهود على الرغم من أن الهدف التاريخي لا قيمة له لتعريف اليهود، فمثالا الفنيقيون قال بعض العلماء أن أصلهم كنعاني فهل عرفوا في التاريخ بأصلهم هذا وغيرهم والسؤال المطروح هو لماذا يصر اليهود على أن أصلهم من العبيرو ولذلك لابد من تعريف تلك التسميات كل واحدة على حدا.
العبيرو:
     أطلقت هذه الكلمة على طائفة من القبائل البدوية التي قطنت في البداية بالشام ثم رحلت إلى صحراء سيناء وفيما بعد إلى أرض كنعان ومصر ووردت عندهم هذه الكلمة ب خبيرو أو هبيري وبقيت ملتصقة بهذا الأصل.
بني إسرائيل:
     إن مصطلح إسرائيل هو من أصل آرامي مأخوذ من الإله السامي ايل والذي عبده مجموعة من الأقوام ولقد وردت أسماء أخرى مركبة كميخائيل وأخرى ذكرت في المصحف لأسماء الملائكة، وكل هذه الأسماء انتسبت إلى الإله ايل، وكلمة إسرائيل أطلقت على موضع في كنعان وأطلقت فيما بعد على طائفة من الناس نسبت إلى جدها الكبير إسرائيل .
الموسويون:
     ذكر هذه التسمية المؤرخ اليهودي يوسفوس وذكر عالم النفس فرويد أن هؤلاء من بقايا قبائل الهكسوس الذين اتبعوا قائدا مصريا شارك في حرب مصر ضد الحبشة وأنه ذهب بعد تمرده إلى فلسطين من أجل إنشاء دولة وهذا القائد كان يسمى بموسى وكان يتبع الدعوة الأخناتونية التي فرضها على قومه إلا أنهم ارتدوا عن تلك الدعوة وهو مازال حيا وبعد مقتله انتهت معه الفكرة الأخناتونية ولقد قيل أن موسى ترك وصايا لأتباعه من أجل إتمام هذه الدعوة إلا أن المؤرخين لم يجدوها وبذلك تكون الفكرة الموسوية لا وجود لها وأن ما قيل كان من نسج الخيال لأهداف اقتصادية وسياسية.
اليهود:
     لقد ذكرت الكاتبة أن اليهود هم محور دراسة مجموعة من المؤرخين وأن لهم أصل بحيث أنه قبل السبي البابلي عملوا في الزراعة وقبل ذلك كانوا عبارة عن قبائل من البدو المرتحلة في الصحراء العربية للبحث عن ظروف أحسن، ولقد أطلق مصطلح اليهود على جماعة من مواطني كنعان الذين سكنوا مملكة يهوذا وكانوا يتحدثون بالآرامية وفيما بعد أرادوا الإنفراد بلغة لهم عن طريق إضافة حرف تم تدوينه فيما بعد في التوراة، ولقد قام الكهنة بعد السبي البابلي بدور كبير لبقائهم مجتمعيين عن طريق وضع أسس اللغة.
     ولقد عبد اليهود الإله يهوه وبعد كتابتهم للتوراة قاموا بشرح مفرداتها في كتاب انقسم إلى جزئين وهما المشنة والجمرا ولقد كتبت أسفار التوراة بلغات عديدة، ولقد كان لنبوخذ دور كبير إذ بسببه أصبح اليهود يفكرون في جمع شتاتهم فأعادوا على إثر ذلك ما كتب في العهد الأخميني، ولقد قام نبوخذ بحملة على مملكة يهوذا واستولى على أورشليم وهاجم كل الناس إلا الطبقة الغنية وبقيت الأغلبية من اليهود يسكنون في فلسطين دون أن يمسهم أي سوء وقد ذكر هذا على لسان التوراة إذ عومل ملك يهوذا بعد السبي وهو يهوياكين معاملة طيبة عندما تم نقله إلى بابل إذ ذكرت التوراة أن نبوخذ ملك بابل جعل يهوياكين يأكل معه ويلبس ثيابا فاخرة.
الأوضاع الاقتصادية والسياسية لليهود :
     سنبتدأ هنا من القولة الشهيرة لماركس والتي مفادها أنه يجب البحث عن اليهودي الواقعي وليس العكس مما يدل على أن ماركس لخص ما حصل  في اليهود بهذه المقولة، لكن ما يهمنا هو الجانب الاقتصادي إذ حاولوا الاستيلاء على الهلال الخصيب و الاستفادة منه كما أن العلاقات التجارية القائمة بين فينيقيا ودول الشرق جعلت فينيقيا تستفيد بشكل جيد إذ تمكنت من أن تحقق التوسع التجاري، وفي المقابل نجد أن فلسطين قبل السبي البابلي انعدمت فيها مقومات العيش إثر تدهور الحياة الزراعية ، وبعدها أصبح اليهود يمارسون التجارة خاصة عندما تدهورت التجارة الفينيقية فاستطاع اليهود تحقيق قفزة تجارية ملحوظة خاصة عندما سيطروا على الاقتصاد البابلي وبعد هذا التطور حصل اليهود على مساعدة من الفرس كونوا على إثرها مستعمرات وبعد حصولهم على مبتغاهم قدموا عريضتهم المشهورة إلى ملك الفرس قورش من أجل إعادة هيكل القدس الذي هو رمز دولتهم وقد مثل هذه المحاولة سيروس. كما أن اليهود ملأوا خزائن القدس وغيرها من المحاولات لتساعدهم على المستوى الاقتصادي  والسياسي  فابتعدوا أيضا عن عبادة الآلهة الكثيرة وعبدوا فقط الإله يهوه وأدركوا أن الهلال الخصيب سيمكنهم من تحقيق كل حاجياتهم بفعل موقعه الإستراتيجي الهام والحيوي وعندما سادت الحروب في الشرق لم يعد لليهود منافس وبالتالي تمكنوا من توسيع تجارتهم وفرضوا امتيازاتهم التي أخذوها من القيصر على السلوقيين والآجيديين وغيرها من الأعمال التي قاموا بها ، أما في روما فقد تمكن التجار اليهود من التحكم في التجارة الدولية نظرا للذهنية المتخلفة للشعب الإغريقي اتجاه التجارة وهذه الظروف ساعدتهم على تشديد قبضتهم على روما.

     وكخلاصة يمكن القول أن اليهود استطاعوا أن يحققوا على المستوى الاقتصادي الشيء الكثير في المجتمع الذي عاشوا فيه منبوذين ورفضوا مع ذلك الاندماج القومي لأنهم فضلوا البقاء متميزين طبقيا إلى أن تأتي الظروف المناسبة لتأسيس كيان قوي خاص بهم.